إصلاح القضاء بين إكراهات الواقع وصراعات الموقع

مخطط الإصلاح يمكن أن يتم عبر مراحل قد يمتد أمدها إلى سنوات

جريدة المساء العدد 943  الجمعه 2 اكتوبر 2009                                المصطفى ناضر بوعبيد منتدب قضائي إقليمي بالنيابة العامة

لدى المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء

سبق أن أثيرت حول هذا الموضوع، منذ الإعلان عنه، ضجة إعلامية ونقاشات ساخنة من طرف كل المهتمين المنتمين إلى مختلف الهيئات القانونية والحقوقية، وكذا الأحزاب السياسية، وبصفة عامة كل منظمات وفعاليات المجتمع المدني بمختلف شرائحه ومواقعه، حيث تعددت الأفكار وتضاربت وتباينت الآراء واختلفت.
فعند انطلاق المرحلة التشاورية التي أعلن عنها السيد وزير العدل، قام البعض على إثر ذلك بتشخيص الوضعية فقط من خلال رصده لبعض مكامن الخلل ووقوفه على بعض الإشكالات التي يعاني منها الجهازان القضائي والإداري بالمغرب دون طرح لأية حلول لتلك الإشكاليات.
في حين قام البعض الآخر باقتراح الحلول التي يرى أنها السبيل إلى إصلاح القضاء من قبيل بناء المحاكم في المستوى المطلوب، والاهتمام بالموارد البشرية القضائية والإدارية، وتطبيق القوانين تطبيقا سليما، وتغيير بعض النصوص القانونية لعدم مسايرتها للواقع المعيش، بالإضافة إلى الاستقلال الفعلي للقضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.
بينما نجد أن هناك من ذهب إلى أبعد من ذلك وقام بتوجيه انتقادات جذرية، وطالب تبعا لذلك بإصلاح دستوري يمس المؤسسات المشرفة على القضاء، مثل اختصاصات المجلس الأعلى للقضاء واختصاصات وزير العدل.
وبعد انتهاء المرحلة التشاورية والإحاطة من طرف كل المتدخلين ببعض الصعوبات والإكراهات، التي كانت ولا تزال تشكل عائقا في طريق التقويم والتحديث والتي من خلالها تم تشخيص الوضعية واقتراح بعض الحلول الناجعة، وصل المشروع الإصلاحي الآن إلى المرحلة ما قبل الأخيرة، ألا وهي المرحلة التحضيرية التي تم فيها تحديد المجالات الستة ذات الأولوية في إصلاح القضاء، والتي أعلن عنها جلالة الملك في خطابه التاريخي الموجه إلى الشعب المغربي بمناسبة الذكرى الـ56 لثورة الملك والشعب والذي أعلن فيه عن انطلاق برنامج إصلاح القضاء، حيث نستطيع القول بهذه المناسبة إن مضمون الخطاب يهدف إلى ثورة إصلاحية شاملة لا محيد عنها.
فالخطاب الملكي بهذا الخصوص يعتبر منعطفا هاما في تاريخ المغرب وخطوة جبارة ترمي إلى تقويض العبث والاستهتار، وتكريس دولة الحق والقانون، حيث كانت صيغته بمثابة السيف القاطع والحد الفاصل بين الجد واللعب، ومؤشرا جديدا على بناء أسس العدالة وتوطيد دعائم الديمقراطية وحماية الحريات العامة ببلادنا.
وقد اتضح من الخطاب الملكي الحرص الكبير لجلالته على إصلاح العدالة التي هي أساس الأمن والاستقرار وتماسك النسيج الاجتماعي والتطور الاقتصادي لهذا الوطن الذي لا سبيل إلى نهوضه من كبوته وتمسكه ببواعث صحوته سوى السير في النهج الصحيح والقويم ألا وهو نهج العدالة.
كما تتضح، من خلال صيغة الخطاب، الرغبة الملكية الأكيدة في النهوض بهذا القطاع والسمو به وجعله قادرا على مسايرة المتطلبات المعاصرة ومواكبة المتغيرات العالمية والقوانين والمعاهدات الدولية الجديدة، وبالتالي مواجهة رياح العولمة السلبية.
وبهذه المناسبة، أشير إلى أنني، كباقي المهتمين، تتبعت بدوري هذا الموضوع الحساس والشائك، المتميز بطبيعته الخاصة، والذي تناوله قبلي كل المشخصين والمقترحين والمنتقدين المشار إليهم بجميع انتماءاتهم الفكرية ومواقعهم الحزبية والسياسية والاجتماعية والمهنية عبر كل منابر ووسائل الإعلام الوطنية، حيث بدا لي أن هناك عدة أشياء أعتبرها هامة وجديرة بالعناية لم يتم تناولها أو التطرق إليها، الشيء الذي دفعني إلى التفكير في كتابة هذا المقال، فأردت بدوري أن أقترح بعض الآراء والأفكار التي قد تسهم، ولو بقسط متواضع، في تنوير بعض الجوانب الغامضة من هذا الموضوع، وبالتالي أقتراح بعض الحلول لها والتي أتمنى أن تكون مفيدة.
وقبل الخوض في ذلك، أشير بداية إلى أنه لا يغيب عن أذهاننا أن القضاء مؤسسة لها ميكانيزمات لا يمكن أن تشتغل بدونها، وأنه جسم لا يعمل لوحده بل له أطراف تساعده وتعمل إلى جانبه، وهي المتمثلة في الإدارة المركزية وكل مساعدي القضاء، مثل كتابة الضبط التي تعتبر المساعد الأول والأقدم والأهم بدون منازع والتي تشكل اليد اليمنى لهذا الجسم، إذ على يدها تولد كل الملفات الرائجة بالمحاكم وعلى يدها تموت.
لهذا، فإذا أردنا الحديث عن تقويم القضاء وجب علينا، بكل شفافية ووضوح، أن نتحدث عن كل الأطراف المعنية المشار إليها.
إن ما يزكي هذا الطرح هو شكايات المواطنين والمتقاضين الموجهة إلى وزارة العدل، والتي يصب جلها في مصب التظلم من بعض الأحكام، وأيضا من البطء في بعض الإجراءات القضائية والإدارية، كما تتمحور حول معضلة إجراءات التبليغ والتنفيذ، حيث يلاحظ أن تلك الشكايات تكون موجهة ضد بعض مساعدي القضاء مثل المحامين والمفوضين القضائيين والخبراء وغيرهم.
لهذا، أرى أن برنامج الإصلاح يجب أن يبدأ من القمة وليس من القاعدة، حيث يتعين على الإدارة المركزية، بهذه المناسبة، أن تعمل على إعادة ترتيب أوراقها ومراجعة سياستها، وإعادة النظر في منظومتها الهيكلية وآلياتها التي تشتغل بها. وللتذكير، فقد أكد جلالة الملك في خطابه مرتين أن مسؤولية تفعيل الإصلاح الجوهري تبقى ملقاة، بالدرجة الأولى وبصفة خاصة، على عاتق وزارة العدل، لأن جلالته يعلم علم اليقين بأن أهل مكة أدرى بشعابها.
ولا شك في أن الإدارة المركزية تعمل الآن جاهدة على تجاوز الامتحان العسير والمحك الحقيقي المتمثل في كيفية التغلب على كل الصعوبات، والتمكن من حسن تفعيل وتدبير الإصلاح الجوهري، مع العلم بأنه ليس من السهل القيام بالإصلاح بين عشية وضحاها لهذا الجهاز المثقل بتركة المشاكل الموروثة عن الماضي، حيث يبدو أن تنفيذ مخطط الإصلاح يمكن أن يتم عبر مراحل قد يمتد أمدها إلى سنوات.
فلا يجب أن نحلم كثيرا ونعتقد أن مشروع الإصلاح سيأتي عبارة عن وصفة طبية تكون كفيلة بالقضاء على كل الأمراض التي يعاني منها هذا الجسم، أو نعتقد أن هذا المشروع سيأتي في شكل عصا سحرية تلقف كل ما صنعته العقليات البيروقراطية السابقة من أخطاء، وتكون كفيلة بالإصلاح الجذري والشامل بمجرد التلويح بها من طرف السيد وزير العدل.

جريدة المساء العدد 944  الاحد 4 اكتوبر 2009

القضاء في المغرب مثقل بجملة من السلبيات والمعوقات الموروثة عن الماضي منذ عهد الاستقلال وإلى يومنا هذا، والمتمثلة في المشاكل المتعلقة بسوء التسيير والتدبير والمشاكل اللوجستيكية والتواصلية والمشاكل المتعلقة بالموارد البشرية، وأيضا المعوقات المتعلقة بالقوانين وبالتنظيم القضائي والمشاكل المتعلقة بالأخلاق، ثم أخيرا الإكراهات المتمثلة في الصراعات الداخلية التي تتمخض داخل كواليس وزارة العدل من أجل الوصول إلى بعض الأهداف، أو تحقيق بعض المكاسب المادية من خلال التشبث بمنصب ما أو بمركز ما من مراكز القرار، أو الصراعات الخارجية المتجلية في محاولة استغلال موضوع إصلاح القضاء من طرف بعض المواقع من أجل تحقيق بعض الأغراض أو الغايات الحزبية أو السياسية.
لكن كل المشاكل المشار إليها يمكن الإحاطة بها ومعالجتها عبر مراحل بعد وضع المخطط المناسب والمتكامل بشأنها، والذي يكون ذا بعد استراتيجي محكم يهدف إلى التغلب عليها بشكل نهائي باستثناء المشكل العويص الذي لا أظن أنه من السهل السيطرة عليه، ألا وهو المشكل الأخلاقي الذي يعتبر أكبر معضلة يعاني منها الجسمان القضائي والإداري معا، والناتجة عن عدم قدرة البعض على كبح جماح الشهوات العارمة والتصدي لمقاومة شياطين الإغراءات المالية والجنسية، بسبب ضعف شخصية البعض وتدني مستوى الوعي والتربية، بالإَضافة إلى غياب الوازع الديني.
وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن السلبيات، التي تقف عائقا في طريق الإصلاح وتشكل سببا هاما وحقيقيا في تدني مستوى الخدمات القضائية والإدارية، تكمن بالأساس في سوء التسيير والتدبير، وهذه مسؤولية تتحملها الإدارة المركزية التي يتعين عليها، من أجل تجاوز هذا المحك بسلام، أن تكرس جهودها، وبشكل مستمر، من أجل تطوير أساليبها، وتغيير منهجيتها وأفكارها في التسيير، إلى جانب العمل على إعادة النظر في نمط الإشراف والقيادة وطرق العمل التقليدية الموروثة، والتخلي عن كل البدع الإدارية وسياسة التدبير الارتجالية الوقتية غير الفاعلة، ونهج الأسلوب الحديث كبديل لا محيد عنه، لأن الحداثة أصبحت تفرض نفسها على إدارة العدل في الوقت الراهن، إضافة إلى العمل على استكشاف الوسائل والسبل الكفيلة بالارتقاء بمستوى الخدمات القضائية والإدارية على النحو المنشود، والبحث عن الكفاءات المهنية وتشجيعها وإشراكها في عملية الإصلاح، والتشاور معها في اتخاذ القرارات، وتسليمها زمام القيادة والإشراف، ويعتبر هذا شرطا أساسيا للإصلاح.
ومن أجل تحقيق كل الأهداف وبلوغ الغايات المشار إليها، يتعين على الإدارة المركزية إنشاء مكتب خاص للتنسيق والتواصل بين جميع مديرياتها، من جهة، وبين هذه الأخيرة ومختلف محاكم المملكة والمديريات الفرعية من جهة ثانية، وأخيرا بين مكتب التنسيق وكل مكونات المجتمع المدني بمختلف مواقعه.
وتتلخص مهام المكتب المشار إليه في القيام بالأبحاث اللازمة واستجماع كل العناصر والمعطيات الضرورية، سواء منها السلبية أو الإيجابية، والتي على ضوئها يتم القيام بإنجاز الدراسات والمخططات الاستراتيجية المتعلقة بالتسيير والتدبير والتنفيذ والتتبع والتقييم.
مع الإشارة إلى أنه يجب إسناد مهمة تسيير المكتب المذكور إلى أحسن الكفاءات القضائية والإدارية، ذات الخبرات والمؤهلات الكافية في هذا المجال، والتي تناط بها مهمة إنجاز المخطط المنشود وفق مقاربة شمولية تهدف إلى تحديد مهام وأدوار الإدارة المركزية والمحاكم، والمضي بحزم في تحديثها وعصرنة طرق ووسائل التسيير بجميع مرافقها وفق منظور جديد، وتأهيلها لكي تصبح بذلك قادرة على مواكبة التجديد، ومواجهة كل التحديات والإكراهات التي يمكن أن تقف عائقا في وجه الإصلاح والتقويم، وبالتالي تحديد طرق تفعيل وتتبع وتقييم المخطط الذي يتضمن العناصر والمعطيات التالية التي يجب تدارسها ومعالجتها بشكل جدي والتي تصب كلها حول الإشكاليات والإكراهات سالفة الذكر، ومن بينها المشكل البنيوي الهيكلي، حيث قبل الشروع في إصلاح القضاء يجب، أولا، التفكير في إصلاح البنية والأرضية التي سوف يعمل عليها القضاء وتطبق فيها القوانين، بالإضافة إلى مشكل التسيير والتدبير والتواصل، والمشكل الأخلاقي، ومشكل تطبيق القوانين، وأيضا التنظيم القضائي، ومشكل الموارد البشرية، وآليات العمل؛ حيث أقدم في ما يلي، بخصوص كل المشاكل المشار إليها، مخلصا لبعض الحلول والمقترحات:
1 ـ دراسة إمكانية العودة إلى التنظيم القضائي السابق حسب الاختصاص المحلي وليس الاختصاص النوعي، الذي لا يتناسب والبنية التحتية للبلاد.
فنظام توحيد المحاكم الحالي يتعارض مع مبدأ اللامركزية واللاتمركز الإداري، وتقريب الإدارة من المواطنين.
فلا يعقل أن ينتقل مواطن من دار بوعزة أو من ليساسفة، مثلا، من أجل وضع شكاية أو مقال، إلى المحكمة المتواجدة في نهاية حدود المدينة ألا وهي محكمة عين السبع، متكبدا في ذلك مصاريف النقل ومشاق التنقل وضياع الوقت ولاسيما أن تتبع الإجراءات المتخذة في الشكاية أو في المقال يتطلب منه التردد على المحكمة لعدة مرات من أجل معرفة النتيجة أو المآل، لهذا ومن أجل الارتقاء بمستوى الخدمات تتعين إعادة النظر في برنامج توحيد المحاكم، بالإضافة إلى إعادة النظر في الهيكلة العتيقة التي تعرفها كل مرافق قطاع العدل؛
2 ـ تنظيم دهاليز الحفظ المظلمة والعفنة والتي لا تستطيع الولوج إليها حتى عناصر الوقاية المدنية فبالأحرى الموظفون المجبرون على الولوج إليها معرضين صحتهم لبعض الأمراض الصدرية والجلدية، وغيرها، في ظل انعدام أبسط الوسائل والإمكانيات الوقائية للعمل في تلك الدهاليز الموبوءة.
ويتعين، بهذا الخصوص، إسناد مهمة تنظيم الأرشيف بالمحاكم إلى إحدى الشركات المتخصصة في هذا المجال، والتعاقد معها في هذا الشأن (...).

جريدة المساء العدد 945  الاثنين 5 اكتوبر 2009

(تتمة سرد الحلول المقترحة من قبل الكاتب للمشاكل التي يشكو منها القضاء):
3 ـ معالجة إشكالية البطء البيروقراطي الذي تعرفه الوزارة والمحاكم، وكذا معالجة إشكالية البطء في إصدار الأحكام، بالإضافة إلى إشكالية التبليغ والتنفيذ، وذلك بعقد لقاءات تشاورية مع كل الأطراف المعنية، مثل رؤساء مصالح كتابات الضبط ورؤساء مصالح كتابات النيابات العامة وقضاة التنفيذ وأعوان التبليغ والتنفيذ والمفوضين القضائيين وإدارة
البريد والخبراء والضابطة القضائية وكل السلطات المحلية، وذلك من أجل تدارس كل الإكراهات والإشكاليات التي من شأنها عرقلة تصريف الأشغال وإعاقة السير العادي للمحاكم، وإيجاد الحلول المناسبة لكل تلك الإشكاليات، وذلك من أجل الرفع من مستوى الخدمات القضائية والإدارية للمحاكم؛
4ـ إحصاء قضايا المداولات التي يتم تمديدها لأكثر من مرة والإخبار بها وتتبعها؛
5ـ مراقبة أحكام القضاة عن طريق تتبعها في جميع مراحل التقاضي ونشر الجيد منها؛
6ـ تبسيط المساطر والإجراءات القضائية والإدارية وتوحيدها بكل محاكم المملكة؛
7ـ تأكيد سيادة القانون وتمكينه من شخصيته وهيبته، وذلك بتطبيقه أحسن تطبيق وبشكل عادل، حيث لا فرق بين فقير وغني أو قوي وضعيف، وبدون محسوبية أو زبونية، أو غض للطرف وكيل بمكيالين؛
8ـ تفعيل بعض القوانين وتطبيقها على الوجه المطلوب، وفق إرادة المشرع، مثل مسطرة الصلح ومسطرة استرجاع الحيازة ومسطرة إرجاع المحجوزات بالنيابة العامة وتفعيل مسطرة تنقيط الضابطة القضائية من طرف وكيل الملك وفق المعايير المناسبة، والمتمثلة في الاستبيانات الإحصائية السنوية التي توضح حجم الإنتاج وجودة الخدمات ومستوى الفعالية والضبط والسرعة في تنفيذ تعليمات النيابة العامة الشفوية والكتابية. وأخيرا، تطبيق مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 40 من قانون المسطرة الجنائية على الوجه الصحيح؛
9ـ رصد ظاهرة النصب والارتشاء واستغلال النفوذ، وإعطاء هذه القضايا الأهمية الخاصة من أجل محاربتها كوباء ومعضلة خطيرة، وتعقب النصابين والمتربصين بالمواطنين في ساحات وردهات المحاكم، وتطبيق أشد العقوبات في حق المتورطين منهم؛
10ـ جعل آلية تحديد الأتعاب بيد هيئات المحامين، حتى لا تفوت على الطرف المدعى عليه درجة من درجات التقاضي؛
11ـ إخبار الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف من طرف هيئات المحامين بالمغرب بكل الشكايات الموضوعة لديهم، مع قيام الوكلاء العامين للملك بإخبار الإدارة المركزية بدورهم من أجل تتبع تلك الشكايات ومعرفة مصيرها والإجراءات المتخذة في شأن كل منها، وبالتالي مكاتبة المشتكين وإخبارهم بمآلاتها في أسرع وقت؛
12ـ إمداد المحاكم بالآليات والإمكانيات اللازمة ووسائل التواصل والاتصال المتطورة، واستثمار تلك الموارد على الوجه الأمثل، من أجل الإسهام في تطوير وعصرنة هذا القطاع والارتقاء به إلى أوج الفعالية والإنتاجية العالية؛
13ـ ترشيد الموارد المالية والمادية ومعالجة إشكالية الهدر والتبذير الفاحش لتلك الموارد والوسائل المتاحة؛
14ـ إعادة النظر في طرق ومناهج التفتيش، وتفعيل آليتي التحفيز والتأديب عقب انتهاء كل عملية تفتيش، حيث يتعين هنا على الإدارة المركزية، وانطلاقا من نتائج التفتيش، أن تبعث برسائل تنويه إلى الموظفين والقضاة والمسؤولين القضائيين والإداريين بالمجهودات التي قاموا بها خلال كل سنة من أجل تحفيزهم والارتقاء بمستوى المحاكم ومستوى الخدمات التي تقدمها إلى المتقاضين، واحتساب تلك الرسائل في التنقيط والترقية، وأن تبعث أيضا برسائل التوبيخ والتنبيه إلى كل المتهاونين في القيام بالأعمال المنوطة بهم؛
15ـ إنجاز دوريات توجيهية للجهازين القضائي والإداري لرسم طرق العمل انطلاقا من نتائج التفتيش وملاحظات مساعدي القضاء والمتقاضين؛
16ـ إنجاز كتاب يتضمن جميع الدوريات والكتب الوزارية الصادرة عن وزارة العدل منذ فترة الاستقلال وإلى غاية اليوم، وفرضها كمادة دراسية للملحقين القضائيين ولأطر كتابة الضبط، نظرا إلى أهميتها القصوى لكونها تهدف إلى تقويم الاعوجاج، وسد بعض الثغرات، وشرح وتوضيح بعض النصوص القانونية، حيث إنها يمكن أن تظل عديمة الجدوى والفائدة إذا بقيت طي النسيان؛
17ـ تأهيل النسيج الإداري والقضائي لولوج عهد المعلوميات والمعرفة اعتمادا على تطوير برامج استعمال التكنولوجيا الحديثة كبديل حيوي وضروري تفرضه الظروف المعاصرة؛
18ـ إلغاء العمل بالسجلات واعتماد الحواسيب كبديل عنها واعتبارها كسجلات ضوئية، وذلك تفاديا لتكرار العمل وضياع الوقت والمجهودات؛
19ـ نهج نظام جديد للتكوين المستمر، مع فرض إجبارية الحضور لتلقي الدروس والتكوين، ومنح شواهد بخصوص الدورات التكوينية التي يخضع لها الموظفون واحتسابها في التنقيط والترقية، من أجل تحفيزهم على التعلم وتنمية قدراتهم الفكرية التي يمكن أن تسهم في مساعدتهم على البحث والابتكار والإبداع؛
20ـ إخضاع المؤطرين لتكوين خاص بتطوير المهارات القيادية، مع مطالبتهم بإنجاز تقارير مفصلة عن الدورات التكوينية التي يخضعون لها؛
21ـ تنظيم ندوات ولقاءات فصلية، إقليمية وجهوية، لأطر كتابة الضبط والقضاة من أجل العمل على توحيد مناهج وطرق العمل وإيجاد الحلول الناجعة للمشاكل التي يتم رصدها والتي تطرح أثناء إنجاز الجهازين القضائي والإداري لمهامهما خلال كل سنة؛
22ـ إخضاع بعض الموظفين والقضاة لأداء اليمين القانونية والذين لازالوا لم يخضعوا لهذا الإجراء؛
23ـ إعادة نشر الموارد البشرية القضائية والإدارية بشكل معقلن، خصوصا بعد الأثر السلبي على إدارة العدل، الذي خلفه برنامج المغادرة الطوعية؛
24ـ إعادة النظر في منهجية تعيينات الموظفين بشكل معقلن يتيح تكافؤ الفرص للجميع، وتفادي مكوث الموظف بشعبة واحدة لسنين طويلة، لأن ذلك من شأنه التسبب في عرقلة العمل الإداري، خصوصا في العطل الإدارية والرخص المرضية وغيرها؛
25ـ إعادة النظر في برنامج بعث الأطر إلى فرنسا قصد التدريب، وذلك بإخضاعهم لامتحانات كتابية وشفوية باللغة الفرنسية بعد الإعلان عن ذلك، وإلزامهم بكتابة تقارير مفصلة عند انتهاء فترة التدريب، وتوزيع نسخ من تلك التقارير على أطر كتابة الضبط من أجل مناقشتها وتعميم الفائدة، وإلحاق المتفوقين منهم بالمؤطرين قصد الإسهام في برامج التكوين؛
26ـ التفكير في اعتماد نظام جديد لتقييم أداء القضاة والموظفين، وذلك من خلال إنجاز الاستبيانات الإحصائية التي توضح قيمة الإنتاج من حيث الكم والكيف؛(...).

جريدة المساء العدد 946  الثلاثاء 6 اكتوبر 2009

(تتمة سرد الحلول المقترحة من قبل الكاتب للمشاكل التي يشكو منها القضاء):
27ـ إعادة النظر في برامج ولوج السلك القضائي، وذلك بالتفكير في تسجيل طلبة كلية الحقوق الراغبين في الالتحاق بالمحاكم لأداء فترة الخدمة المدنية، التي تكون شرطا من بين الشروط لاجتياز مباريات ولوج القضاء، بعد قضاء فترة التدريب التي يجب ألا تقل عن سنة واحدة؛
28ـ فتح شعبة خاصة بالمعهد القضائي لتكوين وتدريب أفواج السنديك والمفوضين القضائيين؛
29ـ تخصيص تحفيزات مادية ومعنوية للقضاة والموظفين عن التنظيم والابتكار والإبداع والتأليف؛
30ـ تحسين الوضعية المادية للموظفين وتحسين ظروف عملهم، ومنحهم تعويضات عن الساعات الإضافية وعن الديمومة، وتعويضات عن العمل في الأرشيف وفي الدهاليز المخصصة للمحجوزات؛
31ـ تحسين الوضعية المادية للقضاة برفع رواتبهم إلى السقف المحترم والمناسب، والذي يجب أن يبلغ ضعف ما يتقاضونه، وصرف تعويضات لهم عن الساعات الإضافية التي يشتغلون فيها، وعن الديمومة، وتمكينهم من السيارات والسكن المجاني على غرار ما يتمتع به أطر السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتخصيص منح للقضاة عن بعض الأحكام والقرارات التي تصبح مرجعا يهتدى ويستدل به؛
32ـ الإسراع بإنجاز قانون تنظيمي جديد لكتابة الضبط، وإلغاء القانون السالف الذي جاء فارغ المحتوى وعديم الجدوى والأهمية؛ فكل مساعدي القضاء، من محامين ومفوضين قضائيين وخبراء وتراجمة وعدول وغيرهم، لهم قوانين تنظم المهن التي يمارسونها باستثناء كتابة الضبط التي تعتبر أقدم مهنة تعمل إلى جانب القضاء، والتي تعتبر أيضا بمثابة صلة الوصل والحلقة الرابطة بين الجميع وتساعد الجميع؛
33ـ إحداث المعهد العالي لكتابة الضبط وإسناد مهمة تسييره إلى مسؤولين إداريين من ذوي الكفاءات المهنية والإدارية العالية؛
34ـ خلق منصب نائب رئيس مصلحة كتابة الضبط ومصلحة كتابة النيابة العامة وتعويضه عن المسؤولية؛
35ـ تكوين لجان للقيادة في كل محكمة مؤلفة من الجهازين القضائي والإداري، تتلخص مهمتها في التواصل مع مكتب التنسيق بالإدارة المركزية، بالإضافة إلى معالجة كل الإشكاليات الطارئة، وتنظيم وتحديث مناهج وطرق العمل بالمحاكم؛
36ـ رفع الوصاية عن الجهاز الإداري وتكريس استقلال كتابة الضبط، قانونا وإدارة وعملا، وتحميلها مسؤولية اتخاذ القرارات، واعتبارها هيئة مستقلة، هيكليا ووظيفيا، على غرار مثيلاتها من الهيئات الأخرى، وتحريرها من كل شكل من أشكال التبعية والهيمنة والإكراه، تطبيقا لمبدأ فصل السلط، باعتبار كتابة الضبط جهازا تنفيذيا إذا استثنينا كتاب الجلسات. ويعتبر هذا من بين الشروط الأساسية والضرورية لإصلاح القضاء؛
37ـ إسناد مسؤولية تسيير وتدبير الموارد البشرية الإدارية إلى مسؤول إداري وتحميله مسؤولية اتخاذ القرارات؛
38ـ إسناد مهمة تسيير وتدبير الموارد البشرية القضائية إلى المجلس الأعلى للقضاء؛
39ـ إعداد برنامج شامل وخطة هادفة ترمي إلى إعادة بناء علاقة إدارة العدل بالمتعاملين معها على أسس من الثقة والمصداقية، وتخليق وتنقية المحاكم من كل أشكال السلوكات المشينة، وجعل الجهازين القضائي والإداري في خدمة المواطنين في إطار سيادة القانون وترسيخ ثقافة الواجب ومعالجة شؤون ومشاكل المتقاضين في آجال قياسية، فليس الهدف هو تقريب الإدارة من المواطنين فقط، بل الهدف يكمن أيضا في التواصل الإيجابي وتقريب عقلية القائمين على إدارة العدل من المواطنين؛
40ـ إحداث خلايا للتواصل على صعيد كل جهة من جهات المملكة يكون أعضاؤها من بين الجهازين القضائي والإداري، بمن فيهم الأشخاص المتقاعدون المشهود لهم بالكفاءة المهنية والخبرة في هذا المجال، تتركز مهامها في التعريف بالدور الذي يقوم به الجهاز القضائي والجهاز الإداري في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومعالجة مشاكل المواطنين ومشاكل القضاء على السواء وإيجاد الحلول الناجعة لها، ووضع جسور التواصل بين الإدارة المركزية والمجلس الأعلى للقضاء والمحاكم بمختلف درجاتها واختصاصاتها وكل المرافق الإدارية التابعة لها، كالمديريات الفرعية وإدارة الأعمال الاجتماعية وغيرها، من جهة، ومن جهة ثانية بين كل الإدارات المشار إليها وبين مساعدي القضاء وجميع مكونات المجتمع المدني؛
41ـ إنشاء جمعية مساعدي القضاء تتضمن أطر كتابة الضبط والمحامين والمفوضين القضائيين والعدول والموثقين والتراجمة والخبراء وغيرهم، يكون هدفها تنظيم ندوات ومحاضرات وعقد لقاءات مع كل من الجهازين القضائي والإداري والمنظمات الحقوقية والقانونية وكل هيئات وفعاليات المجتمع المدني من أجل تدارس كل الإشكالات التي تقف في وجه تحديث القضاء والخروج بالتوصيات التي من شأنها إيجاد الحلول المناسبة لتلك الإشكالات في هذا الشأن وطرحها على مكتب التنسيق بالإدارة المركزية قصد الدراسة والتنفيذ.
بعد تقديم هذه الاقتراحات المتواضعة -التي أتمنى أن تسهم، ولو بقسط متواضع، في برنامج إصلاح وتقويم وتحديث القضاء- أشير، بهذه المناسبة، إلى ضرورة التركيز على الدور الإعلامي من أجل توعية المواطنين وتوجيههم إلى كيفية ممارسة حقوقهم، وإرشادهم إلى سبل التواصل مع العدالة في إطار القانون دون حاجة إلى وسطاء أو تقديم هدايا أو رشاوى.
وأخيرا، لا شك في أن الكل ينتظر الآن ظهور المرحلة النهائية من مخطط الإصلاح، والتي سوف يعلن عنها السيد وزير العدل قريبا، وهي المرحلة الحرجة التي تشكل المحك الحقيقي للإصلاح الجوهري كما ورد في خطاب جلالة الملك، هذا المحك الذي سيظهر مستقبلا ما إن كانت ثمة قدرة على تفعيل المخطط المنشود أم لا.
وبخصوص ذلك، أشير إلى أنه يتعين في هذه المرحلة الحاسمة، من وجهة نظري، وضع استراتيجية محكمة ونهائية وفق مقاربة شمولية مناسبة ترمي إلى تحديد الرؤية الإصلاحية الكاملة بوضوح تام وتحديد الأهداف المتوخاة، وصياغة النظرة المستقبلية الصائبة التي يليها التنفيذ والتتبع والتقييم، تحت مجهر المراقبة القبلية والآنية والبعدية المستمرة وفقا لكل الضوابط والتدابير الصارمة على جميع المستويات، سواء على المستوى التحسيسي أو الوقائي أو التحفيزي أو الزجري.
و في الأخير، يبقى السؤال المطروح بإلحاح على لسان كل المتتبعين لبرنامج الإصلاح، هو:
ترى، هل سيكون لخطة وزارة العدل الأثر الفعال والإيجابي في التغيير نحو الأفضل أم ستبقى دار لقمان على حالها؟
إن الجواب عن هذا السؤال متروك للمجتمع المدني، بمختلف شرائحه ومواقعه، الذي سيصدر حكمه ويقول كلمته الأخيرة في العدالة، تلك الكلمة التي سوف يعبر من خلالها، مستقبلا، عن رضاه أو عن أسفه.

 

 

 

 

 afj © 2009-2011