موقع هيأة كتابة الضبط من ميثاق

إصلاح العدالة

الجيلالي مكوط

منتدب قضائي بمحكمة

 الاستئناف بالدار البيضاء

 

منشور بجريدة الصباح بتاريخ29 ماي 2009

يمكن تقسيم أسرة العدل إلى قسمين رئيسيين : قسم داخلي، يعمل على صعيد المحكمة، ويتكون من السادة القضاة والموظفين بمختلف مشاربهم المكونين لهيأة كتابة الضبط، وقسم خارجي يعمل خارج هذا النطاق ويتفاعل معه، ويتكون من مختلف مساعدي القضاء من هيئة دفاع وخبراء ومفوضين قضائيين، وهيأة كتابة الضبط بين هذا القسم وذاك تعتبر صلة الوصل والعمود الفقري في إنجاح العملية القضائية، وتوفير التواصل المنشود بين القسمين، ونثير عناية القارئ الكريم إلى أننا لن نتطرق إلى الدور المعروف لهيأة كتابة الضبط من القيام بالإجراءات المختلفة المتعلقة بالقضايا بمختلف أنواعها، وحضور الجلسات والقيام بالمعاينات والتنفيذ بجميع طرقه، بل إننا سنلمس عن قرب طبيعة هذا الدور والتطور الذي عرفه من ناحية تحديث الوسائل والتكوين العملي لممارسيه، وهو ما يستدعي حضوره وبقوة في مسلسل الإصلاح القضائي المرتقب.

وإذا كان مرسوم 2.08.71 قد أضفى على هذه الهيئة صفة مصلحة عمومية وأخضع موظفيها من هذا المنطلق إلى مقتضيات القانون الأساسي لموظفي الإدارة العمومية الصادر بتاريخ 24 فبراير 1958، فإن الظهير الشريف المنظم لقانون المسطرة المدنية الصادر بتاريخ 29 شتننبر 1974 قد أكد على دورها في العملية القضائية منذ بدايتها إلى نهايتها من خلال عدة فصول.   

وموظفو هيأة كتابة الضبط بين هذا وذاك يتمتعون بصفة مزدوجة، فهم من جانب أول موظفون عموميون تسري عليهم مقتضيات الوظيفة العمومية ، ويعملون بمرفق عام يتمتعون فيه بمزايا وحقوق وواجبات الموظف العام، وهم من جانب ثاني ينتمون لهيأة كتابة الضبط، ويكتسي عملهم من هذا المنطلق صبغة قضائية تمكنهم من ممارسة مهامهم القضائية مع ما يتطلبه ذلك من خضوع لمقتضيات القوانين المنظمة لكافة المساطر القانونية.

ومن هنا فالموظف القائم على أعمال كتابة الضبط ملزم بتلبية رغبات جميع الوافدين على مرفق القضاء من مهنيين ومواطنين، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاحتجاج ضده بتقديم مآل بعض الملفات والمرحلة التي وصل إليها الملف لبعض المتقاضين الذين يعتبرون أطرافا في النزاع، بحجة أن المسطرة كتابية، لكونه في هذه الحالة يمارس مهامه باعتباره موظفا عاما ملزما بتلبية رغبات الوافدين على المرفق العام والاستجابة إلى طلباتهم ومنحهم المعلومة التي تعتبر حقا من حقوقهم .

وإذا كانت كتابة الضبط قبل حلول سنة 1998[1]، تعرف أساليب تقليدية في التسيير والتجهيز، فإنه وبعد نهاية عقد التسعينيات، وفي إطار ما يعرف بتحديث مرافق الإدارة العمومية وتطوير وسائل وأساليب تسييرها، عرفت كتابة الضبط تطورا من ناحية التجهيز، وكذلك من ناحية مستوى الأطر العاملين بها، والذين أضحى عدد كبير منهم من حملة الشواهد الجامعية العليا والدكاترة في بعض الأحيان، ولعل التجربة المعلومياتية التي عرفتها بعض محاكم المملكة، خاصة التجارية منها قد أبانت بما لا يدع شك الدور البارز لهذه الأخيرة في تسهيل وسائل الوصول إلى المعلومة القضائية فيما يخص مراقبة مآل الملفات والحصول على منطوق الحكم أو القرار، وبصفة عامة جميع بيانات الملف، كما وفرت طريقة أسرع لإنجاز مختلف الاستدعاءات والاحصائيات التي يتم اعتمادها على الصعيد الجهوي والمركزي من أجل معرفة مكامن الخلل وتبيان مدى سرعة البت في الملفات ومعوقات النظر فيها، والخروج باستراتيجية حقيقة لتجاوز ذلك، كما أن الأحكام والقرارات أصبح تقدم لأصحابها في حلة جديدة تقوم على السهولة في قراءة المضمون.

بيد أنه وللأسف الكبير لا زالت هذه التجربة لم تعمم على باقي محاكم المملكة، أو أن هذا التعميم يعرف وثيرة بطيئة تزيد من أعباء كتابة الضبط، حيث نجد بعض المحاكم تستعمل شبكة محلية للمعلوميات لمعالجة المعلومة القضائية إلى جانب سجلات المراقبة، وهو ما يجعل العمل مضاعفا ويضرب عرض الحائط الهدف الأساسي من إدخال نظام المعلوميات ألا وهو تسهيل العمل وتفادي التكرار المرهق، بغية التفرغ لما هو أهم.

ومناقشة أساليب العمل وطرق ترشيدها وتطويرها بكتابة الضبط يجرنا إلى موضوع أعمق، وهو إصلاح القضاء وما نادى به صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطاباته الثلاث الأخيرة من ضرورة إعداد ميثاق للعدالة.

فمن جانبها تنظر وزارة العدل إلى الإصلاح القضائي نظرة إحصائية صرفة، تعتمد من خلالها على جرد عدد الملفات المحكومة والعدد المنفذ منها، والمدة التي يستغرقها الملف منذ ميلاده إلى حين البت فيه، كذلك تركز في جانب كبير من دراساتها على الخصاص الذي تعرفه المحاكم في عدد السادة القضاة والموظفين وسبل تجاوز ذلك.

ومن زاوية ثانية يقصر بعض المهتمين بالشأن القانوني نظرتهم إلى إصلاح القضاء في الإصلاحات دستورية بالتركيز على استقلالية القضاء وإعادة النظر في تركيبة ومهام المجلس الأعلى للقضاء، وضرورة تجريد وزير العدل من صلاحياته بهذا الخصوص.

وأخيرا، فإن فعاليات المجتمع المدني ترى في إصلاح القضاء صيانة كرامة المواطن المغربي وتوفير الجو الملائم لممارسته للخصومة القضائية في أحسن الأحوال، خصومة تراعى فيها حقوق الدفاع واستنفاذ كافة أوجه الدفاع

إن الإصلاح القضائي هو إصلاح أوسع وأعمق من ذلك بكثير، فنظرتنا إليه يجب أن تكون نظرة شمولية أفقية تقوم على جميع المآخذ السالفة الذكر، تأخذ بعين الاعتبار إصلاح الجهاز القضائي "دستوريا، تنظيميا، ماديا، معنويا..." إصلاح يمكن القاضي من ممارسة مهامه باستقلالية تامة يوفرها له مجلس أعلى للقضاء منتخب، وغير خاضع لأي سلطة.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية يجب أن يأخذ الإصلاح بعين الاعتبار   مختلف الأجهزة المرتبطة بصناعة العمل القضائي، وعلى رأسها  جهاز كتابة الضبط الذي لا يقل إصلاحه شأنا عن إصلاح القضاء، فكاتب الضبط يتقاسم القاضي مجموعة من المسؤوليات، وإجراءات الملف تعرف دورانها وجودا وعدما بكتابة الضبط، فهي الضامن الوحيد لجهوزية الملف من عدمه،وعلى سبيل المثال فمسؤولية السهر على الحفاظ على الملفات بوثائقها المختلفة وتقديمها للإطلاع والتصوير في ظروف حسنة كافية لتبيان خطورة دوره، ذلك أن ملف القضية أمانة على عاتق كاتب الضبط منذ ولادته إلى حين إيداعه بالحفظ، وبل وإن هذه الأمانة تستمر حتى بعد إدراجه بالحفظ، وبالمقابل فإن كاتب الضبط لا يتوفر على تعويض خاص بالمخاطر يجعله يتحمل هذا العبء في ظروف حسنة.

ولقد كان الأمل معقودا على صدور مرسوم 2.08.71 في إصلاح هذا الجهاز والنهوض به لتحمل أعبائه في إطار وضعيته الحالية، غير أن هذا الأخير جاء مخيبا للآمال، بل إنه تضمن تراجعا عن مجموعة من المكتسبات، وسجل لأول مرة صدور نظام أساسي خاص دون تضمنه تعويضات مخفزة.

وإذا كان المطلب المادي حاضرا بقوة في إصلاح هيأة كتابة الضبط، فإن المطلب المعنوي لا يقل عنه شأنا، ومن أهم ما يجب تسجيله في هذا الباب ضرورة إيراد استقلالية جهاز كتابة الضبط عن الهيئة القضائية بديباجة هذا المرسوم، وفتح المجال لأطرها للولوج لسلك القضاء العادي على غرار القضاء الإداري، وولوج بعض المهن المساعدة للقضاء وعلى رأسها مهنة المحاماة. 

[1] - باعتبار هذه السنة هي بداية استعمال الإدارة القضائية للمعلوميات في التسيير، والتي تم تركيزها على المحاكم التجارية التي أنشئت بنفس التاريخ، ثم تم تعميمها فيما بعد على باقي المحاكم.

 

 

 afj © 2009-2011