سؤال المرجعية في إستراتيجية إصلاح العدالة بالمغرب  

ذ. عبد الرحمن السحمودي

طالب باحث وجدة

في عدة خطب متتالية حديثا؛ (خطاب العرش 2007، وخطاب 20 غشت، وخطاب افتتاح الدورة البرلمانية، والرسالة الموجهة إلى المشاركين في الندوة الدولية التي نظمها المجلس الأعلى في 21 و22 نونبر 2007) أقر الملك محمد السادس بوجوب إدخال إصلاحات "عميقة وشاملة" على النظام القضائي المغربي، وتعهد بالعمل على إنجازها في إطار ميثاق وطني شامل للعدالة. ومع أن هذا الالتزام الصادر من أعلى هرم السلطة جاء ليحقق نوعا من الإجماع حول ضرورة إصلاح العدالة بالمغرب، بالنظر إلى  أن هذا الإصلاح ظل لسنوات طويلة مطلب العديد من الفرقاء الوطنيين والشركاء الدوليين، إلا أن هذا الإجماع يخفي في الواقع تباينا عريضا في مسألة المرجعية. ذلك أن الطلب المتزايد على إصلاح القضاء المغربي ناتج أساسا عن ضغط المرجعية الكونية الحداثية القائمة على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان كقيم كونية (I). أما عرض الإصلاح الذي تقدمه السلطة فهو يتم من داخل النسق التقليدي للحكم والطقوس الخاصة لممارسة السلطة بالمغرب (II). غير أنه بإزاحة النقاش من المستوى السياسي إلى المستوى الاقتصادي فإنه لا خلاف حول أن إصلاح القضاء صار ضرورة تنموية ملحة (III).

I- إصلاح العدالة في سياق ضغط منظومة القيم الكونية للديمقراطية وحقوق الإنسان.

المرجعية الكونية الحداثية المؤطرة لما ينبغي أن تكون عليه السلطة القضائية في أي نظام ديمقراطي تتمحور حول بعدين  أساسيين، أولهما سياسي مؤسساتي يرتبط بآليات إعمال الديمقراطية بشكل عام (1)، والثاني هو بعد حقوقي يتوسل تكريس حق الإنسان الطبيعي والمقدس في عدالة مستقلة ونزيهة وفعالة تضمن له حقوقه وكرامته (2).

I-1-إصلاح القضاء ضمن صيرورة الانتقال الديمقراطي.

أحد المقومات الأساسية للديمقراطية في مفهومها الكوني يتجلى في مبدأ فصل السلط الذي ينبني على فكرة تقليدية مفادها أنه "يجب أن تحد السلطة السلطة"، والذي يعتبر من ثوابت الديمقراطيات الحديثة، حيث السلطات الثلاث الرئيسية في الدولة والتي هي السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية تكون سيدة قرارها ومالكة لمساحة الاختصاص القانوني المكفول لها، ضمن تناغم في النسق السياسي والمؤسساتي العام يضمن ألا تكون لأي سلطة الهيمنة المطلقة والمكشوفة على باقي السلط. وضمن هذه العلاقة تتمتع السلطة القضائية في الأنظمة الديمقراطية باستقلال حقيقي وتحتل مكانة مركزية وحيوية في النظام المؤسساتي العام بل وتشكل الضمانة الأساسية وجدار الدفاع الأول عن كل المكتسبات الديمقراطية انسجاما مع ما تضمنه لها كل الدساتير الديمقراطية من مكانة دستورية سامية، وما تنيطه بها من اختصاصات واسعة في تكريس دولة القانون ومبادئ المساواة والمسؤولية وحماية الحقوق والحريات. وعلى العكس من ذلك فإن السبب الرئيسي لقصور الأنظمة القضائية في  أغلب الدول المتخلفة يرجع إلى الطبيعة السلطوية لأنظمتها السياسية والتي تؤدي إلى غياب استقلال القضاء وخضوع المحاكم والعدالة إلى السلطة السياسية.. وفي ضوء هذا التحليل، فإن إحدى العتبات الضرورية للانتقال نحو المجتمع الديمقراطي هي مسألة إصلاح القضاء بشكل يضمن استقلاليته وفعاليته ونزاهته.

وإذا كان المغرب قد رفع شعار "الانتقال الديمقراطي" منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، فإن موضوع استقلال السلطة القضائية لم يدرج كأولوية ضمن استراتيجيات وبرامج تفعيل هذا الشعار، والدليل على ذلك أنه رغم الإقدام على تعديلين دستوريين سنتي 1992 و1996، فإن جوهر ما حملة هذين التعديلين كان يرتبط فقط بإعادة إنتاج وتشكيل أسس العلاقة بين مؤسسات الملكية والبرلمان والحكومة، في حين  أنه، باستثناء إحداث المجلس الدستوري ذو الطبيعة والمهام الخاصة، فقد بقيت المقتضيات الدستورية المتعلقة بالقضاء جامدة منذ أول دستور. علما أن المكانة الدستورية للقضاء المغربي كانت على الدوام محل نقاش وجدل وانتقاد من طرف الحقوقيين والسياسيين والفاعلين في الميدان، وذلك على الأقل من زاويتين:

- الأولى: أن الدستور المغربي لا يعطي القضاء المكانة اللائقة به كسلطة ثالثة، فهو يتحدث عن القضاء بشكل مبثور ولا يعطيه وصف السلطة ولا ما يوحي بذلك. وهي إشارة على أن القضاء ليس سلطة وإنما مجرد وظيفة من وظائف الدولة.

- الزاوية الثانية: تتعلق بمسألة استقلال القضاء، إذ بالرغم من أن الدستور (الفصل 82) ينص على  أن القضاء مستقل عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، فإن الأحكام التشريعية الواردة في النظام الأساسي للقضاة، وكذلك الممارسة العملية، أفرغت محتوى الفصل 82 من أي مضمون، وليس هناك اليوم من يصدق لا من داخل الجسم القضائي، ولا من داخل المحيط المجتمعي بأن هناك أي استقلال للقضاء، بل الأكثر من ذلك ينظر للقضاء في المخيلة الشعبية على أنه جزء من "المخزن".

إن هذا العمق الدستوري لأزمة القضاء في المغرب هو الذي جعل كل محاولات الإصلاح التي مست المستويات التشريعية والتنظيمية كإحداث المحاكم الإدارية والتجارية وقضاء الأسرة وإصلاح المسطرة الجنائية.. تعطي نتائج مخيبة للآمال، بل وكشفت أكثر عن تخلف الجهاز القضائي وحاجته إلى  إصلاح أعمق وأشمل بالتعبير الملكي.

وعموما يمكن القول أن إصلاح العدالة هو الحلقة المفقودة في مسلسل الإصلاحات المؤسساتية التي عرفها المغرب في مخاض انتقاله الديمقراطي، وما لم يفتح هذا الورش بشكل جدي فإن كل تلك الإصلاحات ستظل مجرد إجراءات غير مصادق عليها، لأن القضاء السلطة المستقلة والفعالة هو الذي يحصن المكتسبات الديمقراطية ويضمن حجيتها ضد تقلبات الأهواء والمصالح السياسية بشكل يقطع طريق العودة والنكوص في مسار الانتقال الديمقراطي.

ومن دون شك فإن الأساسي في أي رؤية للإصلاح هو أنه يجب الانفتاح على المرجعية الديمقراطية في  أبعادها الكونية والحداثية، ذلك أن هاجس إصلاح القضاء واستقلاله لا يمكن أن يكون مطلوبا لذاته، ففي بعض البلدان كمصر على سبيل المثال، حيث كان القضاء يتمتع بهامش محترم من الاستقلالية، عمل بعض القضاة في أحيان كثيرة على أسلمة تفسير القانون وذلك في تناقض واضح مع الأيديولوجية العلمانية  للدولة. وقد أفرز هذا التوجه نتائج كارثية على الكثير من الحقوق الأساسية ومجالات حرية الفكر والتعبير والإبداع في مصر. لذلك فإنه من الضروري التشديد على أن استقلال القضاء ليس شرطا في ذاته، بل يجب أن يكون مدمجا ضمن مشروع عقلاني وحداثي لدمقرطة الدولة والمجتمع.

I-2- إصلاح القضاء في أفق الانسجام مع المبادئ الكونية لحقوق الإنسان.

البنود والمواد الأولى من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ومبادئ المنظمات الدولية العامة في هذا المجال تخصص غالبا "لحق كل إنسان في أن تعرض قضيته على محكمة مستقلة ونزيهة للبت فيها بطريقة عادلة" (المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1998)، وحقه في "محاكمة عادلة وعلنية بواسطة محكمة مختصة ومستقلة وحيادية قائمة استنادا إلى القانون" (المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966). وقد أصدرت الأمم المتحدة سنة 1985 وثيقة على شكل مبادئ أساسية لاستقلال السلطة القضائية ركزت فيها أساسا على ضرورة التكريس الدستوري لاستقلال القضاء، ووضع نظام لتعيين القضاة من قبل هيئة مستقلة عن السلطة التنفيذية، وضمان الأمن الوظيفي للقضاة، وسن ضمانات بعدم تدخل السلطة التنفيذية في مجريات القضايا المعروضة على المحاكم، وضمان حق القضاة بالانتساب إلى جمعيات مهنية... وفي نفس السياق وضعت منظمة العفو الدولية سنة 1989 دليلا للمحاكمات العادلة تضمن مجموعة مبادئ أهمها الحق في المحاكمة أمام محكمة مختصة ومستقلة ونزيهة ومشكلة وفق القانون، والحق في المحاكمة خلال مدة زمنية معقولة ودون إبطاء، والحق في المساواة أمام القانون، والحق في الاستعانة بمحام.. وهي نفس المبادئ تقريبا التي جاءت في دليل حقوق الإنسان في إقامة العدالة الصادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عام 2003، كما أصدر الاتحاد العالمي للقضاة (حيث تتمتع الودادية الحسنية للقضاة بكامل العضوية) سنة 1999 وثيقة أطلق عليها الميثاق الدولي للقضاة ركز فيها كثيرا على استقلال القضاء وعلى ضرورة أن "يمارس القاضي صلاحياته في استقلال تام إزاء كل القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وإزاء باقي القضاة، وأيضا إزاء الإدارة المكلفة بالعدل". ومن دون شك فإن مثل هذه المبادئ وغيرها كثير يمكن العثور عليها في عدد يصعب إحصاؤه من المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان وكذا في المبادئ والتوصيات والتوجيهات الصادرة سواء عن منظمات دولية أو أخرى ذات طبيعة جهوية وإقليمية مثل الميثاق العربي لحقوق الإنسان لسنة 2004، ووثيقة حقوق الإنسان في الإسلام الصادرة عن منظمة المؤتمر الإسلامي، وإعلان القاهرة حول استقلال القضاء الصادر عن مؤتمر العدالة العربي الثاني سنة 2003...

ورغم أن المغرب صادق والتزم بأغلب مقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان، وكرس ذلك دستوريا منذ 1992 حيث أضيفت فقرة إلى ديباجة الدستور تنص على تشبث المملكة المغربية بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، فإن نفس الملاحظة التي سقناها بخصوص تهميش القضاء في مسلسل الإصلاحات السياسية والمؤسساتية تنطبق على المجال الحقوقي، إذ رغم الجهود الكثيرة التي اضطرت الدولة لبذلها  تحت ضغوط داخلية وخارجية لتلميع الوجه الحقوقي للمغرب ابتداء من سنة 1990، فإن إصلاح الجهاز القضائي لم يدمج بالجدية المطلوبة ضمن هذه الجهود. فباستثناء إنشاء المحاكم الإدارية عام 1990 والتي وقعت لحد اليوم على حصيلة جيدة، فإن أمور القضاء الأخرى بقيت على حالها، وانصب التركيز على إصلاح النصوص التشريعية المطبقة أمام القضاء أكثر مما انصب على إصلاح وضعية القضاء ذاته، حيث وضعت مسطرة جنائية جديدة ومدونة جديدة للأسرة وقوانين جديدة للحريات العامة، ومدونة جديدة للشغل.. ومع كل ذلك وبعده وجدت الدولة نفسها مضطرة للاعتراف بأن القضاء في حاجة إلى إصلاحات عميقة وشاملة.

إن دولة الحق والقانون لا تقوم إلا بوجود سلطة قضائية مستقلة وفعالة ونزيهة ومؤهلة. وفي الدول الديمقراطية يعتبر القضاء جدار الدفاع الأول والأخير عن الحقوق والحريات. ولا تضطر هذه الدول لإحداث مؤسسات استشارية أخرى في هذا المجال إلا على سبيل الاستئناس وإحداث آليات للتفكير في سبل تطوير هذه الحقوق، وليس من أجل حمايتها بالمعنى المباشر فذلك من اختصاص القضاء وحده. أما في المغرب فالصورة معكوسة نوعا ما، فبدل أن تبدأ الدولة بإدخال الإصلاحات اللازمة على العدالة فإنها استعاضت عن ذلك بالإكثار من الهيئات والمجالس الاستشارية العاملة في مجال حقوق الإنسان كالمجلس الاستشاري وديوان المظالم وهيئة الإنصاف والمصالحة...

لقد كان إنشاء هذه المؤسسات الاستشارية لحقوق الإنسان يندرج ضمن إستراتيجية الدولة لهيكلة المجال الحقوقي وضبطه بغية خلق انفراج حقوقي يغسل رصيد الدولة في هذا المجال ويساعد في تصفية تركة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي  أصبحت تشكل عقدة تجرها الدولة وراءها وتبحث عن كل التوافقات الممكنة لطي صفحتها، إلا أن عمل جل هذه المؤسسات اصطدم بواقع ضعف السلطة القضائية وانعدام ثقة المجتمع بها. بل أكثر من ذلك كشف التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة عن حقيقة مؤسفة وهي أن أغلب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت خلال سنوات الرصاص قد تمت بمباركة من القضاء الذي زج به أحيانا كثيرة في معارك سياسية لا تليق برسالته. لذلك فقد كان من  أهم ما أوصت به الهيئة كضمانة لعدم تكرار ما جرى هو "تعزيز المبدأ الدستوري لفصل السلط وخاصة فيما يتصل باستقلال العدالة والنظام الأساسي للقضاة، مع المنع الصريح لأي تدخل للسلطة التنفيذية في تنظيم سير العدالة وسير السلطة القضائية".

واليوم وبعد اطلاع الملك على مضامين تقرير الهيئة وموافقته عليه وإعطاء الضوء الأخضر لنشره، فإن الدولة تجد نفسها ملزمة بترتيب النتائج المنطقية عن كل هذا المسار، والبدء في تفعيل توصيات الهيئة وعلى رأسها مباشرة إصلاح شامل للمنظومة القضائية في اتجاه تكريس استقلاليتها ونزاهتها وفعاليتها بشكل يجعل منها الضامن الأساسي للحقوق والحريات كما هي متعارف عليها كونيا.

II- ثقل المرجعية التقليدية وممكنات الإصلاح.

غير أنه في كل المواضيع المرتبطة بالمجال السياسي بالمغرب، يفرض على الباحث دائما أن يبذل جهدا مضاعفا، إذ بالإضافة إلى ضرورة امتلاكه للمؤشرات والتوجهات والنظريات والقوانين الكونية للتطور السياسي، لا بد للباحث أن يعي الطبيعة الخصوصية للنظام السياسي المغربي ومميزاته التقليدية وما تسمح به من إمكانيات للتطور والتحديث. وعليه فإنه ليس من المعقول  ولا من المتصور في نظرنا أن ننتظر إصلاحا للقضاء في المغرب يستند فقط إلى المرجعية الكونية الحداثية ببعديها الديمقراطي والحقوقي.

إن وضعية القضاء في المغرب تتميز بنوع من التعقيد الناتج بالأساس عن خصوصية النظام السياسي المغربي الذي تحتل داخله المؤسسة الملكية مساحة شاسعة تستعصي على التلاؤم مع كل مبدأ كوني يميل إلى الحد من السلطة نظرا لاستنادها على نسق تقليدي وديني للشرعية يستوي على التربة النظرية لمفاهيم الخلافة والبيعة وإمارة المؤمنين في التراث الإسلامي.

إن هذا النسق المكثف على المستوى الدستوري في الفصل 19 الذي ينص على  أن "الملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين.." كان من نتائجه الأساسية غياب أية إمكانية لتطبيق نظرية فصل السلط كأحد المقومات الجوهرية للديمقراطية بالمفهوم الكوني في النظام السياسي المغربي. ذلك أن التعبئة المكثفة لعناصر الشرعية الدينية للملك مكنته من احتلال مكانة أسمى من كل السلط، وأدت إلى تركيز شديد لكن السلطات التنفيذية والتشريعية وحتى القضائية بيده.  إن هذا الجوهر التقليدي لنظام الحكم في المغرب - وإن كان في الواقع يشكل أحد العوائق البنيوية لنجاح تجربة الانتقال الديمقراطي- فإنه على قدر كبير من التجذر بحيث حافظ على كل مقوماته رغم ضغوطات الدمقرطة التي أفرزتها التحولات الكونية في العقدين الأخيرين. ذلك أن إستراتيجية النظام السياسي المغربي في استيعاب المد الديمقراطي الكوني قامت على اختزال ما يتطلبه هذا المد من إصلاحات سياسية وديمقراطية في المنتظم السياسي الفرعي، حيث تنتظم العلائق بين مؤسسات الحكومة والبرلمان والأحزاب وباقي الفاعلين السياسيين الثانويين، أما الملكية كمركز للسلطة فقد استطاعت أن تضيف إلى قدسيتها كمؤسسة قدسية منظومة السلطات الغير المحدودة المستأثرة بها. ولحد اليوم فإن النظام السياسي المرتضى للمغاربة هو "الملكية الفاعلة التي لا تختزل في مفهوم أو سلط منفصلة تنفيذية أو تشريعية أو قضائية، إنها الملكية المغربية الأصلية التي عززناها بالمواطنة التنموية في التزام بمشروعيتها الدينية والتاريخية والدستورية والديمقراطية" (خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2007).

إن استحضار هيمنة النسق التقليداني على مجمل الحياة السياسية المغربية، من شأنه أن يسعف بشكل كبير في تحديد سقف الانتظارات فيما يتعلق بميثاق العدالة المرتقب وما سيدخله من إصلاحات على القضاء المغربي. ذلك أن القضاء في المغرب يعد "من وظائف الإمامة ومندرج في عمومها" (قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى المشهور في القضية المعروفة بمزرعة عبد العزيز)، والقضاة يصدرون أحكامهم نيابة عن الإمام وبتفويض منه. ومن الناحية الدستورية فالأحكام تصدر باسم جلالة الملك، والقضاة يعينون ويعزلون بظهير ملكي، والملك رئيس المجلس الأعلى للقضاء ووزير العدل نائبه.. وفي خطاب حديث جدا شدد الملك على أن "العدل من أمانة أمير المؤمنين الضامن للاستقلال التام للسلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية" (خطاب 20 غشت 2007).

ولذلك فإن الارتباط بين القضاء والمؤسسة الملكية في المغرب ووصايتها عليه يعد أحد السمات الأساسية للجوهر التقليداني للحكم الذي يرهن كل الخيارات الإستراتيجية للدولة، حيث لا يسمح لأي إجراء مهما كانت ضرورته أن يخدش هذا الجوهر أو يعرقل إعادة إنتاجه. وعليه فإنه يمكن من الناحية المبدئية المطالبة بمطلق الاستقلالية للقضاء المغربي عن كل السلط والمؤسسات من منظور حقوقي ديمقراطي.. لكن التحلي بالقليل من الواقعية يفرض أن يكون سقف الانتظارات أكثر تواضعا، وبالذات في النقطة المتعلقة بارتباط القضاء بالمؤسسة الملكية. ومن دون شك فإنه توجد تحت هذا السقف الواقعي أشياء مهمة جدا وضرورية جدا من الضروري لأي إصلاح - حتى يستحق اسمه- أن يحققها للقضاء المغربي، وعلى رأسها رفع يد وزارة العدل عن القضاء والقضاة، ودمقرطة المجلس الأعلى للقضاء ومنحه استقلالية أكبر وصلاحيات أوسع وجعله المسؤول الوحيد عن المسار المهني للقضاة، ووضع آليات رصينة للقضاء على السلوكات المشينة داخل الجسم القضائي.. وعموما فإن مكامن ضعف العمل القضائي باتت معلومة، وهي تتطلب حسب التعبير الملكي إصلاحا عميقا وشاملا. وبرأينا فإن عمق الإصلاح لن يتحقق إلا بملامسة الوضع الدستوري للقضاء المغربي على الأقل من حيث تقوية دور ومكانة المجلس الأعلى للقضاء، وحذف نيابة وزير العدل عن الملك في رئاسة المجلس وإعطاء حجية أكبر للأحكام القضائية.. أما شمولية الإصلاح فتتطلب من ناحية تحيين ومراجعة كل النصوص التشريعية المتجاوزة التي تؤطر العمل القضائي ابتداء من النظام الأساسي للقضاة إلى إحداث نظام أساسي للموظفين، إلى إصلاح المساطر القضائية وقانون المحاماة.. ومن ناحية أخرى تتطلب نهج أسلوب تشاركي في الإصلاح بحيث يؤخذ برأي واقتراحات كل المتدخلين في العمل القضائي من الوزارة الوصية إلى تمثيليات القضاء والموظفين والمساعدين والمجتمع المدني..

III- إصلاح العدالة ضرورة تنموية.

إن موضوع إصلاح القضاء لا يرتبط فقط بأجندة سياسية، بل بات في الواقع هما تنمويا وشرطا ضروريا لنجاح أي إستراتيجية اقتصادية في المغرب. ذلك أن الانخراط الجامح والغير المشروط للمغرب في نمط اقتصاد السوق القائم على المبادرة الخاصة والتنافس الشديد على جلب الاستثمارات الخارجية، وما يتطلبه ذلك من خلق مناخ قانوني ملائم ومحفز للاستثمار، جعل من إصلاح البنيات الإدارية والقضائية مسألة ذات أولوية لتشجيع هذا الاستثمار المعول عليه لوحده في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وخلق فرص الشغل وتضييق هوامش الفقر وذلك بعد تقليص الدولة من حضورها الاجتماعي إلى الحد الأدنى.

ومنذ أن شرع البنك الدولي منتصف عقد الثمانينات في فرض إملاءاته على المغرب فيما يتعلق ببرامجه الاقتصادية والتنموية باعتباره الشريك الأساسي في تمويل هذه البرامج، فإنه جعل من إصلاح القضاء مسألة حيوية لم يفتأ يلح عليها في كل الاقتراحات والتوصيات والتقارير التي يعدها حول المغرب كشرط لرفع وتيرة التنمية ودعم تنافسية الاقتصاد المغربي. ومن أهم مآخذ البنك الدولي على النظام القضائي المغربي في تقاريره المتوالية (1992-1996-1998-2004....) ضعف استقلاليته واستشراء الفساد في دواليبه، وتعقيد المساطر، وبطء البت في القضايا والتأخير في تنفيذ الأحكام وترهل البنيات التحتية للمحاكم وتدهور الأوضاع الاجتماعية للعاملين في قطاع العدل وضعف التكوين والتخصص.. ولمواجهة هذه السلبيات قدم البنك الدولي للمغرب سنة 2000 قرضا قيمته 5,6 مليون أورو لتمويل مشروع التنمية القانونية والقضائية وشمل هذا البرنامج على الخصوص تكوين القضاة والموظفين والإداريين وتنمية وتطوير قدرات المعهد العالي للقضاء وإدخال أدوات وأجهزة حديثة في البحث والتدبير وتقوية إمكانيات وزارة العدل في مجال التواصل.. وإضافة إلى البنك الدولي استفادت وزارة من مساعدات من قبل الاتحاد الأوربي في إطار مشروع "ميدا" كعنوان للشراكة الأورومتوسطية، لكن ما يلاحظ هو أن هذا الحماس للإصلاح القضائي الذي يبديه سواء البنك الدولي أو الاتحاد الأوربي يركز فقط على الجوانب التقنية كالاعتماد على استخدام الحواسيب، وتحسين برامج التدريب والتكوين والتخصص، والتكيف مع متطلبات المستثمرين الأجانب من خلال تأهيل القضاء التجاري وإعداد مدونة جديدة للسجل التجاري ومدونة تحكيم تجارية.. ولا يهتم إلا عرضا بمسألة استقلال القضاء ونوعيته، وهو الأمر الذي شجع وزارة العدل على الانخراط دون تردد في عدة شراكات للقيام ببرامج تحديثية أعطت بعض النتائج الجيدة في بعض الجوانب المتعلقة  بتجهيز المحاكم وبناء محاكم جديدة ووضع برامج للتكوين المستمر للقضاة والموظفين.. لكن النتائج مع كل ذلك ظلت دون المستوى المطلوب وتبين أن القضاء المغربي في حاجة إلى إصلاحات أعمق وأشمل للقيام بدوره كرافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

لقد ولج المغرب الألفية الثالثة وهو يجر إكراهات اقتصادية واجتماعية وتنموية هائلة  تغذيها العولمة واتفاقيات الشراكة والنمو الديمغرافي وارتفاع معدل الجريمة وتطورها النوعي والكمي والتوسع العمراني، والهجرة السرية وخطر الإرهاب والفقر والتهميش ومظاهر الإخفاق الاقتصادي..

وفي مقابل كل هذا توجد عدالة تفتقر إلى الاستقلال والكفاءات والفعالية، وتتميز بتأخر الفصل في القضايا لفترات طويلة، وبالتراكم الشديد للقضايا المتأخرة، ومحدودية إمكانية الوصول إلى العدالة وانعدام الشفافية والوضوح والاتساق في قرارات المحاكم، والتأخر في تنفيذ الأحكام، ونقص الموارد المالية والإمكانات البشرية، وضعف الثقة العامة في النظام القضائي، وبؤس الحالة الاجتماعية للقضاة والموظفين..

إن هذا الوضع المفارق بقدرها يجعل السعي إلى إصلاح القضاء معقدا فإنه في نفس الوقت يجعله ضروريا وآنيا وملحا. وبرأينا فإنه من منظور تنموي يبدو أن المدخل السليم لإدماج القضاء في صيرورة التنمية هو تغيير النظرة إليه، إذ ينبغي الكف عن اعتبار القضاء جهازا من أجهزة الدولة الإكراهية، والتسويق لفكرة القضاء المرفق العام الذي يؤدي خدمة عمومية يجب أن يحكمها، كأي خدمة، معيار الجودة.

إن جودة الخدمة القضائية أصبحت مطلبا تنمويا ومجتمعيا ملحا من أجل تحديث وعصرنة قطاع العدل وتهييء المناخ المناسب للاستثمارات الوطنية والأجنبية، وتحقيق هذه الجودة يتطلب جهدا على مستويين: المستوى الأول يخص الاهتمام بالمرفق الذي يقدم الخدمة، من حيث تجهيز المحاكم والإدارات وعصرنتها والنهوض بالوضع الاجتماعي للعاملين به من قضاة وموظفين ومساعدين وتحفيزهم وتمكينهم من الوسائل الحديثة للعمل والإنتاج والتكوين والتواصل.. والمستوى الثاني هو الاهتمام بالمتقاضي وطالب الخدمة القضائية بشكل عام من حيث حقه في سرعة البت في طلباته وقضاياه، وتوفير محاكمة عادلة، وعدالة محايدة ومستقلة وبتكلفة أقل، وتقريب المرافق القضائية من المواطنين، وسهولة الوصول إلى المعلومة القضائية وبطرق حديثة، وتوفير مكاتب للاستقبال والقدرة على تنفيذ الأحكام دون تأخير..

وعموما فإن اقتراحات ووصفات الإصلاح باتت متوفرة وفي متناول الجميع، لكن المشكلة الأساسية تكمن في كيفية إنجازها، وهذا الأمر يتطلب في نظرنا:

أولا: إرادة قوية ومثابرة، ذلك أن أي إصلاح على قدر معين من العمق والشمولية ويرمي إلى تحديث العدالة وتأهيلها يتطلب في جانب منه خلخلة الوضع الحالي ومباشرة توزيع جديد للمواقع والمسؤوليات في كل مستويات ومفاصل الجسم القضائي ووزارة العدل يقوم على معايير الكفاءة والأخلاق والتكوين والقدرة على استيعاب مرامي وغايات الإصلاح. وهذا من دون شك سيمس بمصالح الكثير من المتنفذين والمسؤولين والمستفيدين من الوضع الحالي. وعليه فإن أي برنامج للإصلاح لا يأخذ بعين الاعتبار العوامل المتعلقة بمقاومة التغيير سيلاقي الكثير من الصعوبات ومحاولات الإفشال.

أما الشرط الثاني لنجاح الإصلاح فيتعلق أساسا بالإمكانيات المادية المرصودة لتطبيقه، وما يلاحظ لحد الآن أن كل برامج الإصلاح ظلت مرهونة لتمويلات خارجية، وطبعا لا يمكن لهذا الوضع أن يدوم، لذلك فما لم يرصد للقضاء ميزانية حقيقية تليق بدوره الاجتماعي والتنموي، فإن ميثاق العدالة المرتقب سيلاقي نفس مصير الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وسنضطر بعد عشر سنوات إلى الاعتراف بأن الميثاق لا قدر الله، قد فشل.

 

 

 

 

 afj © 2009-2011