وظائف كتابة الضبط؟

د. الحسن العباقي

 

إن أي حديث عن إصلاح القضاء، في غياب تحسين الأوضاع

المادية والمعنوية لموظفي كتابة الضبط، محكوم عليه بالفشل سلفا

 أضحى الحديث عن القضاء في السنوات الأخيرة همًّا حقيقيا لكل من ترنو نفسه إلى ملامسة غد مشرق ينعم فيه المواطنون، حقا وصدقا، بدولة حق وقانون، لا يكون في ظلها فضل لعزيز على حقير أو ذي سلطة على من تحت نفوذه، إلا بقدر ما يقدم من خدمات لهذا الوطن، وهو الهم الذي ظهر جليا في الخطاب الملكي الأخير بمناسبة ثورة الملك والشعب، الذي خُصص للإيذان بفتح ورش كبير غايته إصلاح القضاء. وقد تناول الخطاب عددا من الإشارات الهامة التي من شأنها إن تحققت على أرض الواقع أن تنهض بهذا القطاع الحيوي، وأن تشكل قطيعة إبستمولوجية مع سلبياتٍ ومآس قد استفحلت واستحكمت منذ عقود من الزمن، يأتي على رأسها البطء في إصدار الأحكام وتنفيذها، والارتشاء الذي كاد يصبح ظاهرة، حتى بات المتقاضي يبادر بعرضه دون أن يُطلب منه، وكأنه يئس من نيل حقه دون مقابل. ولا ننسى الوضعية غير المنصفة لجهاز كتابة الضبط رغم محورية العمل الملقى على عاتقه في العملية القضائية عموما، وكذا الواقع الإداري المتردي الذي لا يُسهم من قريب ولا من بعيد في النهوض بالعمل داخل القطاع، نظرا إلى اعتماده شبه التام على مركزية صلبة عفا الزمان عن مثلها في الدول المتقدمة، إذ رغم اقتناء الوزارة لأحدث المعدات المرتبطة بحَوْسَبَة العمل، فلا تَزال تعاني من بنية تقليدية تقبع خلف تلك الحواسيب. فهل يمكن الحديث عن إصلاح القضاء في غياب تحسين حقيقي للأوضاع المادية والمعنوية لجهاز كتابة الضبط؟ الشيء الذي تم التنصيص عليه في الخطاب الملكي صراحة ودون مواربة، وهل يمكن الحصول على تدبير متزن وفعال للعمل الإداري داخل القطاع إذا لم نُحدث قطيعة حقيقية مع مركزة التدبير والتسيير بالشكل المتداول حاليا؟
أسئلة كثيرة تُطرح بحدة في هذه الظرفية وداخل هذا السياق الذي يوحي بقرب انفراج نتمنى ألا يطول انتظاره، وسوف نُحاول مقاربة بعضها في ما يلي:
أولا : موقع موظفي كتابة الضبط من عملية إصلاح القضاء
إن أي حديث عن إصلاح القضاء، في غياب تحسين الأوضاع المادية والمعنوية لموظفي كتابة الضبط، محكوم عليه بالفشل سلفا، وذلك لاعتبارات أساسية، أهمها أن جهاز كتابة الضبط هو العمود الفقري للعملية القضائية بأسرها، إذ لديه تُودَع الملفات، وهو الشاهد العدل على كل ما يروج في الجلسات التي لا يمكن انعقادها في غيابه، وهو المؤتمن على الوثائق المودعة في الملفات مهما كانت خطورتها وأهميتها في توجيه رأي القضاء، والمسؤولية الجنائية على ضياع أي وثيقة يتحملها موظفو كتابة الضبط بشكل مباشر، كما أن هؤلاء على عاتقهم تقع تبعات تبليغ وتنفيذ الأحكام وزرع الروح فيها، وهي دون ذلك مجرد أوراق لا قيمة لها إلا في إعطاء إحصائيات جامدة، إذ ما قيمة الحكم إذا لم يعرف طريقه إلى التنفيذ بإعطاء كل ذي حق حقه وكف يد المعتدين عن حقوق غيرهم؟!
ما هذا إلا جزء يسير من المهام الكثيرة والأعباء الثقيلة التي يُكابد معها هذا الجهاز في صبر وصمت وتفان يعز نظيره في غيره إذا ما تأملنا الظروف المزرية التي يعمل فيها، ولا يُعاند في هذا إلا مكابر جاحد للحقيقة، فهلاّ رُفع الحيف عن هذا الجهاز، وهلاّ أُعيد إليه الاعتبار وكوفئ على الخدمات الجليلة التي يُسديها؟ وهلاّ رُفع الضّيم عن الآلاف من موظفي هذا الجهاز الذين يقبعون في السلالم الدنيا سنوات طوال كأنهم قد دفنوا في آبار مظلمة لا تصلها شمس الترقية وتحسين الوضعية؟ وهلاّ تعاملنا بما يكفي من الجدية والجرأة مع القانون الأساسي الذي ظل هؤلاء ينتظرونه سنوات عجاف، فإذا به يولد مشوها، وكأن الذين أشرفوا عليه لا يروقهم النهوض بهذا القطاع في شمولية وتكامل لا تُبخس معهما حقوق الطرف الأضعف في السلسلة المشكلة للجسم القضائي بالمغرب؟!
نعم، إنها سلسلة تضم حلقات عدة، كل حلقة لها مَهَامُّها الخاصة بها، سواء تعلق الأمر بالسادة القضاة، أو السادة موظفي كتابة الضبط، أو السادة المحامين، أو السادة المفوضين القضائيين، أو السادة العدول، أو السادة الخبراء، أو غير هؤلاء ممن يدخلون في العملية القضائية، ويُفترض أن يعمل الجميع في تكامل وتناغم واحترام متبادل. ولعلّه قد آن الأوان لأن نتخلى عن ذلك التصور الهرمي للجسم القضائي حيث يسمو المحظوظون في أعلى الهرم على آلاف القابعين في قاعدته، مع أنه لا غنى لأحد عن الآخر.
إن تكريم موظفي وأُطُر كِتابة الضبط، تكريم للعدالة ذاتها، ولن يتم ذلك إلا بأمور عدة نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:
•الاستجابة للأوامر الملكية السامية بتحسين الوضعية المادية لموظفي وأطر كتابة الضبط، وهو التحسين الذي يجب بالضرورة أن ينسجم مع حجم التضحيات التي يقدمها هذا الجهاز، عبر تعديل النظام الأساسي الحالي على مستوى الأرقام الاستدلالية، وليس بالإبقاء عليها، مع إضافة دراهم معدودة في خانة التعويضات. إنّ الأمر جدٌّ وليس بالهزل، وجهاز كتابة الضبط يعتبر نَفسَه في موعد مع التاريخ، يحمل في يُمناه نص الخطاب الملكي بمناسبة 20 غشت 2009، في ذكرى ثورة الملك والشعب، ويحمل في يًسراه آماله وأحلامه بغدٍ مشرق للجميع، ويولي ظهره لآلامه التي يريدها أن تبقى مجرّد ذكرى لماضٍ ولَّى بدون رجعة.

جريدة المساء، العدد 959، الاربعاء 21 اكتوبر 2009

 

إنه نموذج صارخ للتعقيدات الإدارية التي يعانيها العاملون في القطاع،

فضلا عن غيرهم من المواطنين الذين تضطرهم الظروف للوقوف بباب الوزارة

 •تمكين موظفي كتاب الضبط الحاصلين على الإجازة من اجتياز مباراة الملحقين القضائيين والقضاء الإداري مع تحديد نسبة خاصة بهم لا تقل عن ثلث المقاعد، نظرا إلى تمكنهم من آليات الاشتغال بالقطاع، بدليل الكفاءة العالية لأغلب القضاة الذين سبق أن قضوا فترة من العمل داخل جهاز كتابة الضبط.
•إعادة الاعتبار إلى الشهادات العلمية، بدمج الحاصلين على الإجازة في السلم العاشر، والحاصلين على دبلوم الدراسات العليا أو أي شهادة موازية لها في السلم الحادي عشر، والحاصلين على شهادة الدكتوراه خارج السلم، كي يبقى الموظف، عموما مرتبطا بالمجال العلمي، الشيء الذي سينعكس إيجابا على أدائه المهني وعلى مستوى استيعابه للنصوص التي هو مطالب بالتعامل معها.
•السماح للموظفين المدمجين في إطار المحررين القضائيين المصنفين في السلم العاشر باجتياز مباراة تحمل مسؤولية رؤساء المصالح، كي يبقى باب الأمل في تحسين وضعيتهم مفتوحا أمامهم، أمّا الحكم عليهم بأن يبقوا رهيني ذلك الإطار إلى حين حصولهم على التقاعد، كما جاء في النظام الأساسي الحالي، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والسخط من قبل فئة عريضة وهامة داخل القطاع وهي فئة المحررين القضائيين.
•تمكين المنتدبين القضائيين والمحررين القضائيين من ولوج المهن القضائية على وجه العموم، مع إمكانية وضع بعض الشروط المتعلقة بالخبرة والكفاءة اللازمين لذلك، نظرا إلى ما يتوفر عليه هؤلاء من كفاءة مهنية وتمرس في التعامل مع النصوص القانونية.
نكتفي بهذه الأمثلة كي لا يُظن بأن هذا الكلام عبارة عن مسودة لملف مطلبي ذي أبعاد نقابية صرفة، فالنقابات العاملة في القطاع، وخاصة ذات التمثيلية الواسعة، قادرة على صياغة مشاريع متكاملة طموحة، من شأنها النهوض بعمل كتابة الضبط والرفع من إنتاجية العاملين.
ثانيا: قراءة في واقع العمل الإداري بوزارة العدل
لا تشكل وزارة العدل حالة استثنائية في السياق العام للأزمة التي تعانيها الإدارة بوطننا، وإن كان الأثر الناتج عن روافد الأزمة أكثر جلاء فيها من غيرها، نظرا إلى ارتباطها المباشر بحقوق المواطنين، سواء تعلّق الأمر بالمشتغلين ضمن فضاءاتها أو بالمتقاضين، لن نتحدث هنا عن جميع الخصائص التي سبق لصندوق النقد الدولي أن أثارها في تقريره، وسنكتفي برافد واحد من هذه الروافد، وهو ما أٌُطلق عليه «ضعف الإحساس بالزمن»، الناتج عن تعقيد الكثير من المساطر، بإجراءات تكاد تنعدم فيها الفائدة أحيانا، وكمثال لهذا التعقيد الذي تضيع من خلاله الكثير من الحقوق، لذكر ما يعانيه جُلُّ العاملين بالقطاع، فللحصول على وثيقة ما، يُلزمون بتقديم طلبات تحت الإشراف الإداري، فإن كان من موظفي كتابة الضبط في إحدى المحاكم على سبيل المثال، فسيقدم طلبه إلى المسؤول المباشر، وهو رئيس مصلحة كتابة الضبط، كمرحلة أولى، وبعد إعداد المراسلة الإدارية يحال الطلب على السيد رئيس المحكمة كمرحلة ثانية، وبعد التوقيع عليه من طرف هذا الأخير، يحال بالضرورة على السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف التي توجد المحكمة الابتدائية ضمن دائرة نفوذها، وهي العملية التي قد تستغرق أياما بل وأسابيع في بعض الأحيان، وبعد اطلاع السيد الرئيس الأول يحال الطلب بعدها إلى وزارة العدل، ليبدأ مرحلة من التيه داخل مكاتبها، فاتِحتها الإحالة على مكتب الضبط ليتم تسجيله، ثم إحالته بعد ذلك على الكتابة الخاصة للسيد مدير الموارد البشرية، ثم على المكتب الخاص بالجهة التي ورد منها الطلب، فيسجل وتُعدّ مراسلة بشأنه، ثم يرجع إلى الكتابة الخاصة للسيد مدير الموارد البشرية، فيحال بعد ذلك إلى السيد الكاتب العام، وبعد توقيع هذا الأخير، يأخذ الجواب نفس المسار الإداري الذي اتخذه الطلب، لتصل المدة التي قد تستغرقها هذه الرحلة إلى ما يربو عن الشهر في أحسن الأحوال، أما في أسوئها فقد تصل إلى بضعة شهور، وقد لا يصل الجواب إلى صاحب الطلب إلا بعد فوات الأوان !
إنه نموذج صارخ للتعقيدات الإدارية التي يعانيها العاملون في القطاع، فضلا عن غيرهم من المواطنين الذين تضطرهم الظروف للوقوف بباب الوزارة. إن مسارا كهذا لا مكان له في أي مشروع إصلاحي لجهاز القضاء، إذ كيف يمكن رفع معاناة المتقاضين إذا كان العاملون أنفُسهم يعانون الكثير في سبيل الحصول على وثائق بعضها يُفترض الحصول عليه دون مغادرة الموظف لمكان عمله، كما لو تعلق الأمر بالحصول على شهادة الأجر، فهل يعقل أن ينتقل الموظف من مدينة العيون أو وجدة، مثلا، إلى الإدارة المركزية بالرباط قصد الحصول على هذه الشهادة؟! لعل هذا أقرب إلى العبث منه إلى الجد!
لا بد، كخطوة أولى، من وضع حد لمثل هذه المعيقات، ولا مناص من إقرار اللاتمركز مع التحلّي بكثير من الجرأة في تفويض المهام عن طريق تبني سياسة للتدبير الجهوي لقضايا العاملين بالقطاع، وذلك عن طريق توفير الأطر اللازمة لذلك بكل الدوائر الاستئنافية، إما بالمديريات الفرعية أو بإحداث شعب خاصة لدى جميع المحاكم، مع توفير الموارد البشرية الكافية والمؤهّلة لمثل هذا العمل، مما سيوفر الكثير من الوقت والجهد والمال، عوض أن تتنقل الطلبات بين مكاتب شتى يقوم كل مكتب منها بنفس العمل الذي قام به سالفه، في عملية مكرورة هي أقرب إلى إهدار الطاقات منها إلى عملية الضبط التي قد نبرر بها ذلك.

جريدة المساء، العدد 960، الخميس 22 اكتوبر 2009

 

يبقى الحل الأكثر إنتاجية هو ضخ دماء جديدة، وبالقدر الكافي،

في شرايين هذا الجهاز الحيوي، فليست هناك محكمة إلا وتعاني

من الخصاص في الموارد البشرية

 

ثالثا: العطلة القضائية ورهانات الإصلاح
إذا كان للعطلة القضائية الممتدة على مدى ثلاثة أشهر في السنة، ابتداء من فاتح يوليوز إلى الثلاثين من شهر شتنبر، معنىً ما وفائدة تُرتجى في السابق، فلم يعد الأمر كذلك في منظومة تُعاني أصلا من البطء وتعقد المساطر، خاصة بعد فتح ورش «إصلاح القضاء». ولا شك أن إلغاء ما يسمى بـ«العطلة القضائية» سيُسهِم بشكل كبير في توفير الوقت والتقليص من المدد التي تصدر فيها الأحكام وتُنَفذ.
إن توقف مجموعة من الشعب عن العمل خلال العطلة القضائية (شعبة العقار والمدني على سبيل المثال)، لتفسح المجال أمام العاملين بالقطاع كي ينوب بعضهم عن البعض الآخر في ما يتعلق بالشعب التي يستمر العمل بها طيلة السنة (شعبة الأحوال الشخصية والطلاق على سبيل المثال)، يُؤَثّر سلبا على وتيرة العمل داخل المحاكم، إذ لا تخفى المشاكل الكثيرة المترتبة عن غياب حوالي ثلث الموظفين والقضاة عن كل شهر من الأشهر الثلاثة المكونة للعطلة القضائية، مع أن العملية لا تتم بكل تلك الدقة، إذ قد يكون عدد المرخَّص لهم في أحد تلك الأشهر أكثر من الثلث وفي الآخر أقل منه. وهكذا تجد أن نسبة الأحكام التي تصدر في تلك الفترة أقل بكثير من نظيراتها في باقي أشهر السنة، ويكثر اللجوء إلى تمديد فترة المداولة والتأمل التي تسبق النطق بالأحكام، في انتظار رجوع المَنُوبِ عنهم ليباشروا تحريرها بأنفسهم. كما تتقلص نسبة الأحكام المبلغة والمنفذة بشكل ملفت للنظر، هذا على المستوى الكمي، أما على المستوى الكيفي فالأمر أظهر وأجلى، إذ الغالب أن صاحب الشعبة يكون أكثر تمكنا من الذي ينوب عنه، فإذا عُلم بأن عدد العاملين بالقطاع غير كاف أصلا، مما يجعل الواحد منهم يُكلف بشعبتين أو أكثر، فكيف يمكن تصور قيامه بمهامه المتعددة إضافة إلى مهام من ينوب عنه؟!
لا شك أن الأمر فيه الكثير من الحرج، فما هي الحلول المقترحة؟
يبقى الحل الأكثر إنتاجية هو ضخ دماء جديدة، وبالقدر الكافي، في شرايين هذا الجهاز الحيوي، فليست هناك محكمة إلا وتعاني من الخصاص في الموارد البشرية أثناء سيرها العادي، فما بالك بها أيام الرخص؟
أمام عملية التوظيف التي لا تُساير ولا تُلبي حاجيات القطاع من الموارد البشرية، لا بد من إعادة النظر في العطلة القضائية وفتح المجال للعاملين بأن يستفيدوا من رخصهم في أي وقت من السنة، مع إمكانية تجزئتها، وفي ذلك فوائد جمّة منها:
• استمرار العمل في جميع الشعب طيلة السنة.
• التقليص من الضغط الكبير الناجم عن استفادة حوالي ثلث الموظفين والقضاة في كل شهر من الأشهر الثلاثة المشكلة للعطلة القضائية، وهي الأشهر التي تعرف رواجا أكثر من غيرها من طرف الجالية المقيمة بالخارج، مما يجعلهم يُعانون كما يعاني من يستقبلهم داخل المحاكم.
• تمكين العاملين بالقطاع من قضاء الكثير من مآربهم، سواء منها الإدارية أو الاجتماعية، فمجرد تجديد البطاقة الوطنية، كمثال على ذلك، قد يستغرق أياما عدة لإعداد الوثائق وإيداعها لدى الجهات المختصة. كما أن الإنسان، عموما، كثيرا ما تضطره الظروف لحضور مأتم أو فرح لدى بعض الأقارب الذين لا يمكنه التخلي عن مواساتهم أو تهنئتهم، وبعدهم عنه يوقعه في حرج كبير، ولا يعقل في المثالين أعلاه، وغيرُهُما كثير، أن ينتظر قدوم العطلة القضائية كي يقوم بكل ذلك، فكثيرة هي الواجبات التي لا تحتمل الإرجاء.
• التقليص من عدد الرخص الطبية المقدمة، لأنه وإن كان الكثير منها يُعزى إلى أمراض حقيقية يُصاب بها أصحاب تلك الرخص، فإن عددا لا يُستهان به ناتج عن الضغوطات الإدارية والاجتماعية المشار إليها أعلاه.
هذا غيض من فيض مما يمكن جنيه بإلغاء ما يسمى بـ «العطلة القضائية»، تلك العطلة التي تُضَيِّق كثيرا وترسخ عددا من السلبيات التي جاء مشروع إصلاح القضاء لتجاوزها. لكن، وحتى لا يؤدي ذلك إلى أعباء إضافية جراء عملية ضبط عدد أيام الرخص المستفاد منها من طرف كل واحد من العاملين في القطاع، يُستحسن تفويض هذه المهمة إلى الرؤساء المباشرين، فذلك أيسر وأنجع وأقل استنفادا للوقت والجهد.
هذه إذن محاولة لرصد بعض معيقات السير السليم للعملية القضائية، مقرونة بمجموعة من المقترحات العملية، النابعة من صميم المعاناة التي يكابدها جهاز كتابة الضبط، قد يؤاخَذ عليها كونها اهتمت بالعاملين بالقطاع أكثر من اهتمامها بالمتقاضين أو بالترسانة القانونية المؤطرة للعملية القضائية، إلا أن لذلك ما يبرره، إذ العامل البشري هو المحرك لأي إصلاح كيفما كان، إن صلُح أنتج ممارسة فعالة ونزيهة، تسدّ الثغرات وتقي من العثرات وتأنف أن تسقط في الكبوات، وإن فسد أنتج ممارسة تغوص في الكلالة والمحاباة، فلنهيئ ظروفا ملائمة للعمل، ولنعتن بالعامل البشري لأنه الثروة الحقيقية، وبعدها يأتي الحديث عن النصوص.

جريدة المساء، العدد 961، الجمعة 23 اكتوبر 2009

 

 

 

 

 afj © 2009-2011